ابن كثير

411

البداية والنهاية

العادليين ، وأخذ الخزانة من بين يديه والعسكر ، وقصدوا الديار المصرية ، فلما سمع العادل بذلك خرج في الدهليز وساق جريدة إلى دمشق فدخلها كما ذكرنا ، وتراجع إليه بعض مماليكه كزين الدين غلبك وغيره ، ولزم شهاب الدين الحنفي القلعة لتدبير المملكة ، ودرس ابن الشريشي بالشامية البرانية بكرة يوم الخميس مستهل صفر ، وتقلبت أمور كثيرة في هذه الأيام ، ولزم السلطان القلعة لا يخرج منها ، وأطلق كثيرا من المكوس ، وكتب بذلك تواقيع وقرئت على الناس ، وغلا السعر جدا فبلغت الغرارة مائتين ، واشتد الحال وتفاقم الامر ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . سلطنة الملك منصور لاجين السلحداري وذلك أنه لما استاق الخزانة وذهب بالجيوش إلى الديار المصرية دخلها في أبهة عظيمة ، وقد اتفق معه جمهور الامراء الكبار وبايعوه وملكوه عليهم ، وجلس على سرير الملك يوم الجمعة عاشر صفر ، ودقت بمصر البشائر ، وزينت البلد ، وخطب له على المنابر ، وبالقدس والخليل ، ولقب بالملك المنصور ، وكذلك دقت له البشائر بالكرك ونابلس وصفد ، وذهبت إليه طائفة من أمراء دمشق ، وقدمت التجريدة من جهة الرحبة صحبة الأمير سيف الدين كجكن فلم يدخلوا البلد بل نزلوا بميدان الحصن ( 1 ) ، وأظهروا مخالفة العادل وطاعة المنصور لاجين صاحب مصر ، وركب إليه الامراء طائفة بعد طائفة ، وفوجا بعد فوج ، فضعف أمر العادل جدا ، فلما رأى انحلال أمره قال للأمراء : هو خشداشي وأنا وهو شئ واحد ، وأنا سامع له مطيع ، وأنا أجلس في أي مكان من القلعة أراد ، حتى تكاتبوه وتنظروا ما يقول . وجاءت البريدية بالمكاتبات بالامر بالاحتياط على القلعة وعلى العادل وبقي الناس في هرج وأقوال ذات ألوان مختلفة ، وأبواب القلعة مغلقة ، وأبواب البلد سوى باب النصر إلا الخوخة ، والعامة حول القلعة قد ازدحموا حتى سقطت طائفة منهم بالخندق فمات بعضهم ، وأمسى الناس عشية السبت وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين ، ودقت البشائر بذلك بعد العصر ودعا له المؤذنون في سحر ليلة الأحد بجامع دمشق ، وتلوا قوله تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) الآية [ آل عمران : 26 ] . وأصبح الناس يوم الأحد فاجتمع القضاة والامراء وفيهم غرلو العادلي بدار السعادة فحلفوا للمنصور لاجين ، ونودي بذلك في البلد ، وأن يفتح الناس دكاكينهم ، واختفى الصاحب شهاب الدين وأخوه زين الدين المحتسب ، فعمل الوالي ابن النشابي حسبة البلد ، ثم ظهر زين الدين فباشرها على عادته . وكذلك ظهر أخوه شهاب الدين ، وسافر نائب البلد غرلو والأمير جاعان إلى

--> ( 1 ) في السلوك 1 / 824 : ميدان الحصا قريبا من مسجد القدم .